الثلاثاء، 27 أكتوبر 2009

كل الطرق تؤدي إلى... طنجة

قد نعرف لماذا نحب طنجة، لكننا – أبدا- لا نعرف لماذا نحبها.
قالها الطاهر بن جلون يوما دون أن يدري – أو لعله كان يدري- أنه يصيب الحقيقة في الكبد. لها ألف إسم و لا إسم لها.

لها عشاق كثر تنافسوا على حبها دون أن ينالوا سوى وعود كاذبة: محمد شكري، بول بولز، تينسي ويليامز، ويليام بوروز. أدركوا –متأخرين – أي عاشقة متفلتة هي. أي مخادعة. لا خيارات مع طنجة: إما أن تحبها.. أو تحبها.

أما هي – تلك المتعجرفة – فقلما تـــحن على أحدهم بنظرة ولهٍ أو حتى تعاطف.

التقى بول بولز في باريس الشاعرة الأمريكية "جيتورد ستاين". قرأت قصائده و قالت:

قصائدك لا تساوي شيئا، بدلا من (كان) إذهب الى (طنجة).

يقول بولز: إن المرء يرى في الجبال التي تحوط طنجة أشياء تتبع في دواخلنا سحرا، سحر الليل الذي يبعثه الموسيقيون، والطبول التي تقرع... عندما سمعت موسيقى الطقطوقة الجبلية قررت أن أتتبعهم أينما يعزفون، استهلك مني الأمر سنة بأكملها، وأخبرتهم أنني كرست كل وقتي لأتتبعهم.

يقولون أنها " طنجيس" زوجة " آنتي" إبن "بوسايدون" إله البحر و "غايا" التي ترمز للأرض. إن سألتها عن حقيقة الأمر فلن تجيب، لذا لا تتعب نفسك.

محمد شكري، إبن طنجة البار، الذي ارتبط اسمه باسمها لحسن حظه، كان يعاني من مشكلة كبيرة: أنه كلما غادر طنجة شعر بحنين رهيب إليها فعاد بسرعة.

ألم يكن بولز و شكري – و غيرهما كثير - قادران على الحياة في أي مدينة أخرى في العالم إن اختارا ذلك؟

طنجة مدينة لها روح. و رياح " الغربي" العليلة الهادئة تهب تشعر أن طنجة تبتسم لك و تداعب وجهك وتدغدغ خصلات شعرك. لكنها ما تلبث أن تمل فتمارس لعبتها الأثيرة في الشد و الجذب فتفاجأ برياح "الشرقي" كاشفة عن وجه متجهم حانق لا مكان فيه للود و لا للترحيب. لكنك للأسف لا تريد المغادرة. هناك شيء ما يشدك إليها. ما هو هذا الشيء؟ إسأل طنجة إن كانت تجيب.

في مقهى الحافة يتوقف الزمن للحظات. استمتع به كما هو، متوقفا. أنظر إلى البحر الممتد، إلى الزرقة. تأمل القارة العجوز و هي تبدو من هنالك و كأنها لا تبعد سوى أربعة عشرة مترا و ليس أربعة عشرة كيلومترا.

تجول في طرقات المدينة القديمة. دع طنجة تسكنك، تصفعك. أحبها كما هي. ستحبك كما أنت. لكن – أكرر- لا تثق بها كثيرا.

هي مدينة تسكنك قبل أن تسكنها. هي مدينة الألق ليلا. مدينة التيه الجميل نهارا.

طنجة تكره المساحيق. و تصر على استقبال ضيوفها كما هي. بلباس السذاجة، بلباس الحقيقة الفظة.

إجلس على شاطئ البحر و اكتب ما تريد. إن طنجة تحب ذلك.
في طنجة أزبال، في طنجة لصوص أراضي، في طنجة عاهرات، في طنجة نشالون و متسولون. لكننا نحبها.

هناك تعليق واحد:

  1. أنا أعيش في طنجة و لا اغادرها إلا لماما.. و مع دلك في داخلي شوق يكبر يوما بعد يوم إلى طنجة الطفولة التي غادرتنا مبكرا... جدا

    Awdhal

    ردحذف