الاثنين، 24 يناير 2011

فاست فود... م الحشـــــية !!

لدي اليوم خبران: خبر سيء وآخر جيد.

ولنبدأ بالخبر السيء، وهو أن أكلة كالينطي لا توجد في طنجة فقط، بل توجد في إيطاليا أيضا ويسمونها هناك" فاينا Faina" أو "فاريناطا farinata " أو"كالينطيطا Calenteta"، وهذا الإسم الأخير كما تلاحظون يشبه الإسم الذي لدينا بقوة.. فقط هم يدلعونه قليلا ويؤنثونه.. بينما نحن نحتفظ له بحقه في أن يكون خشنا غليظا..كالينطي.

من أخذ الوصفة من الآخر: نحن أم هم؟ الانفعال الطفولي يتطلب منا أن نصرخ بأعلى صوتنا: هوما داواه! لكن التتبع التاريخي للأمر يرجح بقوة فرضية أن كالينطي دخل لطنجة عن طريق جبل طارق، وبالضبط عن طريق أشهر بائع هناك وكان اسمه (بالوما)، وهو من أصول مالطية. كما أن معلومات المصدر المفتوح ويكيبيديا تقول أن أصل الأكلة هو من مدينة جينوفا الإيطالية. وهذا يعني أنهم سبقونا إلى الأمر. أعرف أنها حقيقة مرة كالعلقم. لكن لنبتلعها كرجال. لا أعتقد أنه لدينا الخيار. ما لقيصر ينبغي أن يعود لقيصر.

أغلب هذه المعلومات جاءتني من قارئ وفي يبدو أنه مهتم جدا بالموضوع، وقد أذهلني بهذه المعلومات بصراحة، ولقد تذوق بنفسه "كالينطيطا" الإيطالية وقال أنها لذيذة جدا أيضا، مع فارق جوهري يصب لصالح كالينطي لحسن الحظ، وهو أن ثمن قطعة كالينطيطا واحدة يصل إلى 3 أورو، بينما قطعة كالينطي من نفس الحجم لا تتجاوز درهما واحدا.. الله يخلينا كالينطي ديانا.

معلومة أخرى حملها إلي أحد قدماء المدينة، وهي أن أول من باع كالينطي كان واحدا من يهود طنجة، وللأسف لا يذكر اسمه.

الغريب هو أن الضجة التي أحدثها موضوع كالينطي كانت كبيرة جدا، وهذا يعني أن الطنجاويين لم ينسوا طفولتهم وأصولهم وتراثهم.. فقط هي قساوة الحياة التي لاترحم والتي تجعل التفكير في الخبز أهم من التفكير فيمن اخترع وصفة كالينطي وكيف.

وعلى ذكر الطفولة، فلا أعتقد أن أحدا منا لم يكن كالينطي من بين طقوسه اليومية، إضافة إلى باقي العائلة المحترمة: الصارصا، الشامية، السفوف...

كان وقتها أقل ثمن للقطعة هو 20 فرنكا فقط، وليس درهما كما هو الآن، وأول ما كنا نفعله عند الخروج من المدرسة هو التزاحم من أجل الحصول على نصيبنا من كالينطي، منا من يأكله ومنا من يلطخ به وجه غريمه انتقاما منه لأنه أخذ منه قلم بيك أثناء الدرس، ومنا من يلصقه في ظهر أجبن شخص في القسم لإشباع ساديته.. ولكل وجهة هو موليها.

بعد أن ننتهي من الأكل كنا نلصق الكاغذ في أقرب جدار منزل أو سور مدرسة، كنوع من التضامن مع البلدية والمشاركة في "تزيين" المدينة.

كالينطي كان يؤكل غالبا مرفوقا بمشروب الصارصا، وأحيانا كنا نحوله إلى فاست- فود محترم على الطريقة الطنجاوية بعد أن ندسه في نصف كوميرا، فيتحول إلى وجبة غذائية حقيقية. ولا يحتقرن أحد هذه الوجبة لأن كالينطي مصنوع من دقيق الحمص، والحمص ثبت طبيا أنه يحتوي على بروتين عالي الجودة مقارنة مع اللحوم، وعلى مواد مضادة للأكسدة تساعد في منع الإصابة بأمراض القلب والسرطان..الله يعافينا ويعافيكوم.

نأتي الآن إلى الخبر الجيد، وهو أن طريقة بيع كالينطي الموجودة في طنجة، لاتوجد في أي مكان في العالم فعلا، خصوصا بهذا الثمن الزهيد، وبهذه الطقوس الجميلة كــ" التمالح"، وإمكانية شرائه وتناوله في الشارع، مع تسليمه لك فوق قطعة كاغذ نظيفة لطيفة على قدر الاستطاعة، حيث أننا منذ عرفنا هذه الأكلة لم نسمع عن حدوث حالات تسمم بها، بفضل من الله ورحمة منه.

أما أشهر الباعة في المدينة فسأتجنب ذكر أسمائهم وسأشير فقط إلى أماكن تواجدهم، وهي – كما يعلم عشاق الأكلة – تبدأ من رأس المصلى، وتمر عبر السواني (قرب السويق)، ثم تعرج على كاسابارطا، وأخيرا الإدريسية... وما خفي كان أعظم.

أخيرا، أؤكد أنني لازلت عند رأيي أن كالينطي بالطريقة والطقوس الطنجاوية يستحق أن يكون أكلة عالمية، وأن يدخل ضمن نطاق الوجبات السريعة Fast Food ، مع فرق بسيط جدا وهو أنه سيكون الوجبة السريعة الوحيدة في العالم التي سترافقها هذه العبارة: م الحشــــية !!

درهم د كـالــيـنـطي...

كم من قضية رابحة خسرت لأن وراءها محامي فاشل، وكم من قضية فاشلة ربحت لأن وراءها محامي بارع. و"كالينطي" هو قضية رابحة لم تجد من يدافع عنها فأصبحت هشيما تذروه الرياح وكان ممكنا جدا أن تصبح كلمة أو ماركة عالمية تدير الرؤوس.

لا تستغربوا ثقل هذا الحديث ولا تلوموني وتتهموني بتضخيم مسألة "تافهة جدا" كأكلة كالينطي الشعبية. فإن كنتم ولابد فاعلين فلتعلموا جيدا – وأنتم تعلمون غالبا – أن أكلة كالينطي ليست بالشيء التافه، وهي أولا تراث بشري يستحق أن نعض عليه كطنجاويين بأيدينا وأسناننا، وهي ثانيا تعبر عن مرحلة هامة جدا في طفولة كل منا، ولازالت ترافقنا لحد الآن.

فالبيتزا،مثلا، وراءها بشر مثلي ومثلك، وهي أولا وأخيرا أكلة مثل باقي الأكلات. فما الفرق بين كالينطي والبيتزا إذن؟ الفرق هو أن كالينطي ألذ وأرخص، وهذا يرجح الكفة لصالحه. فقط الاختلاف الوحيد أن البيتزا وجدت وراءها إرادة قوية وآلة إعلامية وإعلانية ضخمة وأشياء أخرى، فغزت أسواق التجارة الطبخ العالمية. بينما بقي كالينطي،بسبب تقاعسنا، يجاورنا في أحيائنا الشعبية أينما حللنا وارتحلنا ويأبى إلا أن يبقى في طنجة، كأنه طنجاوي قح لا يريد لطنجة فراقا.

أجدادنا العارفون ببواطن الأمور وخباياها، يقولون أن أصل أكلة كالينطي طنجاوي مئة بالمئة وليس إسبانيا ً كما توحي به كلمة "كالينطي" الإسبانية الأصل والتي تعني "ساخن". إنما استعمال الكلمة الإسبانية كان فقط مما تركه ويتركه الاستعمار في أي مكان، أما التركيبة وبراءة الاختراع فأصلهما من هنا.. من طنزة..(أقصد طنجة طبعا). وقد بذلت جهدا صادقا لعلي أجد في المطبخ الإسباني ما يشير إلى كالينطي فلم أجد. شكرا غوغل.

الجميل فعلا أنك لا يمكن أن تعثر على أكلة كالينطي، بكل مقوماتها، في أي مكان آخر في العالم سوى في طنجة.. وهذه ميزة حقيقية ومتفردة. الجارة العزيزة تطوان لديها بعض المحاولات (الكالينطية)، لكن الفرق شاسع جدا بين الأصل والتقليد.. والذين ذاقوا الاثنين معا يعرفون جيدا ماذا أقصد.

وماذا عن وصفة كالينطي؟

يتكون كالينطي أساسا من دقيق الحمص والبيض والزيت والماء، هذا الخليط يصنع في (بيدونة) مقطوعة من المنتصف وداخل أحد الفرانات الشعبية كي تكتمل الوصفة وكي يخرج كالينطي لذيذا جدا كما تعودنا عليه.. أحيانا تلعب البكتيريا دورا رئيسيا في اللذة، وهذه مسألة مجربة ..ومن كان لديه اعتراض فليخبرنا.

خليط كالينطي السائل يصب في آنية معدنية مستديرة، وبعد أن يصبح جاهزا يصدر إلى الخارج.. أقصد إلى الشارع. وهو يؤكل ساخنا ملتهبا بالضرورة وإلا فقد 90 بالمائة من سر لذته.

هناك محاولات كثيرة لصنع كالينطي داخل البيت من طرف عدد كبير من الأسر، لكنها تفشل دائما ويبقى كالينطي الشوارع هو الألذ والأكثر إقبالا. وأنا متأكد أن أغلبكم قد جرب أكثر من مرة أن ينافس كالينطي راس المصلى مثلا، فباءت محاولته بفشل ذريع.

هل أكلة كالينطي صحية؟

ماهي ذكرياتنا معها؟

من هم أشهر باعة كالينطي في طنجة؟

هذه الأسئلة وغيرها نجيب عنها في الحلقة القادمة من برنامج الاتجاه المعاكس...أ....عفوا... أقصد في العمود القادم...م الحشيــَـة.

الجمعة، 16 أبريل 2010

ساحة الأمم... الثقافية


في زيارة صيفية قصيرة لمدينة بروكسيل البلجيكية وجدت أن ساحة La grande place بالمدينة تتحول إلى مهرجان تلقائي لعدد من الطلبة أو المبدعين في عدد من المجالات الفنية والثقافية، وكل واحد يغني على ليلاه.. الموسيقيون، وأغلبهم من أوروبا الشرقية، يمسكون بآلاتهم ويحاولون ما أمكن أن يطربوا الواقفين.. من راقه الأمر فليقدم بين يديهم بضعة أوروات و من شعر بالملل فلينصرف.. هناك شخص مصبوغ بالأبيض بكامله ولديه موهبة التيبس كي يبدو كتمثال. تريده أن يتحرك؟ ضع أورو في يده وسيمن عليك بحركة خفيفة ثم يتوقف في انتظار أورو جديد.. وهكذا.
على بعد خطوات فقط، تجد رساما مبدعا يرسم لك بورتريه بقلم الرصاص في دقائق معدودة.. كي تجد ما تعلقه في غرفتك كذكرى ذات قيمة حقيقة. و مازال في جعبة الحاوي الكثير والكثير.
كل هذه العروض تجد شبيها لها في ساحة "الرامبلا" ببرشلونة وفي ساحة المدينة بمدينة أنتويرب البلجيكية والتي لا أذكر اسمها بصراحة.
طيب، ما علاقة كل هذا بطنجة؟
علاقته أن بمدينة طنجة ساحة رائعة مناسبة لمهرجان ثقافي دائم، أو صيفي على الأقل، يشبه ما يوجد في المدن التي ذكرت.. يمكن لمبدعي المدينة أن يعرضوا فيه مواهبهم وإبداعاتهم بشكل منظم ومقنن، أو في نوع من الفوضى المنظمة.
هذه الساحة هي ساحة الأمم طبعا، والتي يمكن أن تتحول إلى ساحة مشهورة وتصبح رمزا من رموز مدينة طنجة عالميا، ويمكن أن يأتيها الزوار من كل أنحاء العالم إن أحسنت دراسة الفكرة ثم تنفيذها.
مبدئيا، الفكرة هي أن تفتح الساحة في وجه مبدعي المدينة – خصوصا الشباب- ذوي المواهب الثقافية، الرياضية، الفنية، لعرضها بشكل عفوي في ساحة الأمم.. فلمدينة طنجة إرث ثقافي ضخم يمكن أن يعرض بشتى الأشكال الفنية على الزوار وحتى على الطنجاويين أنفسهم الذين لا يعرفون مدينتهم جيدا.
تدريجيا، أعتقد أن شهرة الساحة قد تنتقل إلى الصعيد العالمي إن أحسن تنفيذ الفكرة وتحولت الساحة إلى مكان تعريفي بهذه المدينة الأسطورة من جهة، ومكان لاستقطاب مهرجانات ثقافية عفوية من شتى أنحاء الأرض.
طبعا تنفيذ الفكرة موكول إلى السيد مندوب وزارة الثقافة رشيد أمحجور الذي نرجو أن يدرس الفكرة جيدا ويحاول ما أمكن تطبيقها ولو على المدى القصير بشراكة مع الجهات الأخرى، وذلك فقط بفتح الساحة – قانونيا – في وجه مبدعي هذه المدينة الذين تناسب مواهبهم الفكرة، ويمكن أن تعرض على الملأ بشكل فني، كي لا يتحول الأمر إلى سوق شعبي بعد أن كانت الفكرة هي أن يرقى بالذوق العام.
هذا الطلب موجه أيضا إلى مسئولي المدينة وبرلمانييها كي يدرسوا الفكرة جيدا ويحاولوا نقلها إلى أرض الواقع، فهي فكرة واضحة وسهلة التنفيذ شرط أن يكون الأمر مقننا زمكانيا بشكل جيد كما قلنا.
تريدون أمثلة على من وما يمكن أن يعرض هناك؟
الفنون بكل أنواعها، العروض الترفيهية، الرياضات الفردية الاستعراضية، القراءات الشعرية والقصصية، عروض عن تاريخ المدينة والوطن ككل... إلخ.
هكذا، بدل أن نجد يوميا آلاف الشجارات بين شباب المدينة لأنهم يشعرون بالملل ولا يجدون ما يفعلونه، سنجد بعضا منهم على الأقل قد جاء يخرج طاقته بشكل إبداعي فيفيد ويستفيد.
هل تبدو لكم الفكرة منطقية أم أنني أهرطق ؟

وا حسرتــــــــاه

موضوع اليوم له رائحة مختلفة نوعا ما، وقد نبهني إليه أحد الإخوة وطلب مني – بإلحاح – أن أكتب عنه، لأنه موضوع "مصيري" ويهم كل طنجاوي بلا استثناء.

أما الموضوع فهو المراحيض العمومية – حاشاكم- التي اختفت من المدينة التي كانت توجد بها ثلاث أماكن مخصصة لهذا الغرض على الأقل عندما كان عدد سكان طنجة يصل بالكاد لخمس عدد سكانها الآن. والآن بعد أن تضاعف العدد مرات ومرات تم إقفال ما كان موجودا وإلغاء التفكير في إيجاد بدائل أخرى.

ليست المسألة ترفا كما قد تبدو للبعض.. فما نتحدث عنه هو حاجة بيولوجية بشرية لا غنى عنها، بل إن الكثيرين يجزمون أن سبب فشل طنجة في احتضان المعرض الدولي راجع إلى كون اللجنة التي زارت المدينة تحركت أمعاء أعضائها فجأة فلم يجدوا ماء فتيمموا بصعيد المقاهي.. وما كان هذا ليبشر بخير.

ولعل ما يجعل هذه المشكلة – رغم عظمها – مستورة ولا يطرحها أحد، هو أننا تعودنا أن نقضي الغرض في مراحيض المقاهي، وكلما سمع أحدنا نداء البطن أو المثانة إلا وتوجه إلى أقرب مقهى ودخل يقدم رجلا و يؤخر أخرى حتى لا يشاهده النادل فيدخل في عراك هو في غنى عنه في تلك اللحظة تماما.

لكن مقاهي طنجة وعمالها تعودوا في الحقيقة على هذا الأمر فأصبحوا يتجاهلونه ويخجلون من منع شخص تبدو عليه علامة الحسرة.. كي لا تتحول الحسرة إلى حسرتين إذا فقد صاحبنا أعصابه وبالتالي تماسك عضلات بطنه.

بعض المقاهي فقط ، قررت إعمال عنصر الدهاء فقامت بإحضار سيدات للتظاهر بتنظيف المراحيض بينما الهدف الحقيقي من هذه الحركة هو إحراجك كي تضع درهما أو درهمين في الصحن الذي تضعه تلك السيدة أمامها.. وإلا فالويل و الثبور. وإن كانت مسألة الأداء من ناحية المبدأ معقولة ومن حق أصحاب المقاهي أن يفرضوها وإلا تحول المقهى إلى مرحاض عمومي بعد أن كان مشروعا استثماريا.

الأمر يصبح أيضا خطيرا صحيا عندما يتم استعمال الدروب والأزقة الضيقة والمظلمة لقضاء الحاجة حيث يصبح عبورها فيما بعد مستحيلا بسبب انبعاث الغازات السامة.. والسبب أن البعض يرفع شعار: كم من حاجة قضيناها ب"تركها". ولأنهم "تركوها" علينا نحن أن نلبس الكمامات أو الأقنعة الواقية قبل العبور!

لهذا وذاك، أرى أن مسألة توفير مراحيض عمومية لعباد الله في طنجة ضرورية وينبغي أن تطرح بشكل جدي، علما أن العملية برمتها لا تتطلب مجهودا خارقا أو مصاريف خيالية.. خصوصا في هذا الزمن "الصيني".

وببحث سريع على شبكة الإنترنت، لم يتعد الثواني، كنت قد وجدت شركات عديدة تبيع مراحيض محمولة (بورطابل)، يمكن تفكيكها وتركيبها أينما ومتى شئت، وبأسعار تتراوح بين 3000 و 6000 أورو كحد أقصى للمرحاض الواحد.. بل ويتعدى الأمر هذا إلى أن بعض هذه المراحيض مخصصة للحفاظ على البيئة حيث يتم إعادة تدوير المياه المستعملة نفسها، ولهذه العملية جانب اقتصادي أيضا حيث يتم الحفاظ على استهلاك الماء.. اللهم زد وبارك.

أعتقد أن وضع مراحيض محمولة في الأماكن العامة الرئيسية بمدينة طنجة كساحة الأمم وسور المعكازين والكورنيش وغيرها ستكون مفيدة للغاية، بل وذات عائد مادي أيضا إذا قامت الجماعة بتخصيص أعوان خدمة لمراقبتها وبالتالي قبض ثمن رمزي من كل شخص يستعملها، مع مراعاة الحالات الخاصة.

فقط رجاء لا تحضروا تلك المراحيض التي تفتح أبوابها أوتوماتيكيا بعد مرور وقت محدد، ولا يتم تمديد الوقت إلا بعد أن تضع قطعة معدنية جديدة في المكان المخصص لذلك. وهذا لن يتسنى لنا بالتأكيد لأننا جميعا لدينا هواية غريبة وهي إسقاط القطع المعدنية في مجرى المياه، حيث تتسرب من جيب السروال الواحدة تلو الأخرى و"تغطس" دون إنذار مسبق.. هكذا سيصبح المرء في وضع حرج جدا وهو ينظر للعد التنازلي، قبل أن ينفتح الباب أوتوماتيكيا في وجهك وتجد صفا طويلا في الانتظار ... وياله من مشهد.. ويا له من حرج!!

لهذا، إن كنتم فاعلين، فأحضروا مراحيض محمولة عادية نتعامل فيها بشريا: هاك وآرا...

كي يبقى لنا هامش استعمال جملنا التي نقضي بها أمورا كثيرة على غرار: دقيقة الله يرحم الوالدين.. وصبرو معانا... إلخ.

لسنا حمل الحياة الأوتوماتيكية التي تمشي بالثواني وأجزاء المائة.. كل ما نريده هو بيوت راحة في المتناول كي ترفعوا عنا الحرج... ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء.

الجمعة، 2 أبريل 2010

شي حاجة زايدة

Esper هي اللفظة العلمية لكل من يمتلك موهبة عقلية نادرة ، ترجمتها لفظة بلفظة هي: الإدراك العقلي فائق الحس.. وهو أمر لا يتوفر للجميع، ولا يهمنا منه سوى موهبة خاصة ومحددة هنا وهي: قراءة الأفكار.

هذه الموهبة التي تكتسبها قلة نادرة من الأشخاص حول العالم، ويقولون أنها تكون ناتجة عن حادثة أو صدمة، حيث يقوم المخ بالاستعانة بوظائف إضافية لحماية الجسد.. بعد ذلك، ترافق تلك الوظيفة العقلية، التي استدعاها المخ احتياطا، صاحبها إلى القبر.

الآن، سنتخيل أننا نمتلك هذه الموهبة ونذهب جميعا، مثنى مثنى، لنتجول في شوارع طنجة كتلاميذ عقلاء لنقرأ أفكار البعض ونعرف ما يقال، وماكان ينبغي أن يقال، وما لا يمكن أن يقال.

تعالوا الآن لنراقب هذا الشاب في المقهى هناك.. يبدو واثقا جدا من نفسه وهو ينفث دخان سيجارته بوقاحة في وجه مرافقته بالضبط.. هي تبدو مستمتعة بالأمر لأنها واحدة من المهارات المطلوبة في البوي فراند لسنة 2010.. يقترب منهما النادل، فيشير الشاب بيده بمزيد من الثقة طالبا من النادل أن يسأل الفتاة ماذا تطلب.. ladies first.. ياله من رجل متحضر..

الآن، نبدا باستخدام مهارتنا الجديدة و نقرأ أفكار الشاب الحقيقية وما يقوله لنفسه.. إسمعوا:

- على الله ياربي ما تطلبشي الباناتشي.. مافيا مانغسل القشوع هاد الليلة.. ومافيا مانتفضح معاها..الله يحفظ وصافي.

هاهو، إذن، واحد آخر من ضحايا الأزمة المالية الطنجاوية.

نترك الشاب في محنته مع أواني المقهى ومع رفيقته ونواصل جولتنا في شوارع طنجة العزيزة ومرافقها.

من ذاك؟

إنه واحد من المرشحين يتحدث مع ناخب مسن.. أصمتوا قليلا لنسمع ما يقول:

- أنا ابن هذا الحي منذ 30 سنة، وأعتبرك مثل والدي.. من الذي يستطيع أن يذكر هذا الحي دون أن يذكر اسمك معه؟ أنت البركة الوحيدة المتبقية في هذا الحي.

ياسلام على الروعة وعلى التواضع.. تريدون أن تسمعوا أفكاره الآن؟ مرحبا بكم في عالم الحقيقة المجردة القاسية الفظة، واسمعوا أفكاره:

- ألطيف ألطيف على ريحة د الزبدة خارجة من دوقمو.. باقي شي واحد فهاد الزمن كايفطر بالزبدة؟؟

الآن تعالوا نكمل جولة اليوم بمشهد ثالث أخير.. تريدون أن ندخل إلى هذه المحاضرة الثقافية؟ ألن تشعروا بالملل؟ متأكدون؟ على بركة الله.

هاهو المحاضر العزيز أمامنا بربطة عنقه وبوجهه المتجهم الجاد الذي يدل على خطورة الوضع، يتنحنح وينظر لنا من فوق نظارته ثم يبدأ الكلام:

- إنه.. في الحقيقة.. في الواقع.. النظرية الإبستمولوجية للتدهور الإيديولوجي ما بين الإنتلجنسيا والواقع الاجتماعوي..

فهمتم شيئا؟ لا طبعا، ولن تفهموا لأننا بلداء ولا نفهم هذا الكلام الكبير.. لكننا سنستعين بسلاحنا الخفي لنفهم ما وراء السطور، ولنستمع لأفكاره الصامتة الآن:

- على الله مايعيقوشي بيا غير كانخربق.. المهم ديما كاتزدق هاد اللعبة.. قول غير شيحاجة كاتسالي بحرف الواو وياء النسبة... وها كولشي ناضي.

كانت هذه إذن، أعزائي المرافقين، جولة قصيرة في عقول البعض منا، جولة من أجل معرفة ما لا يقال عندما يقال ما لا يراد قوله.

جولة في بعض مظاهر النفاق البائس في مجتمعنا.. مجتمع وصفه كاتب رائع بقوله: ليس المهم أن تكون.. المهم أن تبدو.

ولذلك قصة أخرى.

الخميس، 11 مارس 2010

S.M.S

إتصل الآن.. Call Now.. أو أرسل رسالة إس إم إس..
الرقم المتراقص هناك يدعوك إلى التورط المحبب/الكريه. الأمر بسيط ولا يتطلب منك الكثير. لاتكن كسولا واتجه إلى أقرب مخدع هاتفي واقتن بطاقة التعبئة و أرسل لنا الإجابة. كلنا ننتظر بلهفة تلك اللحظة التي تضغط فيها زر ” أرسل”. لأننا، على عكس ما تتخيل، نريدك أن تفوز بالملايين التي وعدناك بها. السؤال كما ترى لا يعرف إجابته غيرك. المفروض أن يكون سهلا، لكننا لا نريد أن نخدعك. نريد للأذكياء و النبهاء فقط أن يفووزا معنا.. وأنت واحد منهم.

تأمل السؤال وتخيل كم من المشاركين لن يعرفوا الإجابة. لا تفكر فيمن سيجيبون إجابة صحيحة.. أنظر فقط إلى النصف الممتلئ من الكأس وكن متفائلا. على الأرجح، أنت الوحيد الذي سيكون موفقا في الإجابة وستتحقق كل أحلامك بضغطة زر. في الواقع، ضغطة واحدة غير كافية، إجعلها أربعة أو خمسة. وإن كنت مصرا على الفوز – كما هو واضح من خلال ملامحك – فأرسل مئات الإس إم إس وانتظر اتصالنا الذي سيأتيك ذات نوم. أروع المفاجآت تأتي لمن ينامون كثيرا ويقومون في الثانية زوالا بعيون منتفخة.

ماهي وسيلة المواصلات التي تسير فوق سكة حديدية، والتي تبدأ بحرف القاف و تنتهي بكلمة “طار” ؟

أ – القطار

ب- الحمار

ج – الدراجة

إتصل الآن.. Call Now..

أرأيت كم هو صعب هذا السؤال؟ هل تخيلت معنا – كما وعدتنا – الآلاف والملايين الذي سيفشلون في الإجابة؟ ثمة من سيفكر أن هذا السؤال هو من نوع : السؤال الفخ. هناك من سيتذاكي أكثر من اللازم وسيفترض أن الدراجة تسير فوق سكة وهمية. هناك آخرون سيفكرون في الفجاج التي كانت الحمير تسير فيها يوما، وبعد أن يستعين بخريطة ما، و بذكاء قل نظيره سيستنتج أن السكة التي نقصد هي بالضبط تلك الفجاج التي يراها تتلوى أمامه فوق خريطة غوغل على شكل سكة حديدية محترمة.

فقط بعض الحرج هو الذي يمنعنا من أن نخبرك أنك الوحيد الذي سيستطيع الإجابة على هذا السؤال المعجزة، وأنك – وهذا هو أهم ما في الأمر – ستصبح المليونير القادم.

دع الآن خيالك يسرح قليلا فيما يمكن أن تحققه بتلك الملايين: خذ عندك مثلا تلك الجاغوار الحمراء التي ستقتنيها والتي ستجعل كل النساء اللائي رفضن الزواج بك يوما يعضن على أناملهن من الغيظ .. لقد ولى زمن الجورب المثقوب الذي تغطيه بالقدم الأخرى في كل تجمع بشري.. زمن التلفزة التي لا تعمل إلا عندما تركلها..زمن الفئران التي تعيش معك جنبا إلى جنب و تقتات من “مكتبك” لتزداد اطلاعا و ثقافة.. زمن العرق المزعج الذي يغمرك وأنت تطارد الحافلة كل يوم.. زمن الحذاء الذي يعيش معك لسنوات طوال وكأنه كلب وفي يأبى أن يفارقك.

لن تكون بعد الآن مجرد رقم بسيط.. مجرد “آخر” تخترقه العيون وتتجاوزه ولا تقف عنده. زمنك الجديد هو زمن ال”هوم سينما” و الاشتراك بكل القنوات بدءا بالشوتايم وانتهاء بكارتون نيتوورك.. زمن البذلات التي تتبدل كل يوم و الحذاء الذي يخطف بريقه العيون رغم سواده. زمن المرهم الذي يوضع على الشعر و النظرة المتراخية التي تدل على أنك لست في حاجة لأحد. زمن السفريات التي لا تنتهي إلى تايلاند وباريس من أجل اقتناء فرشاة أسنان صحية. أشياء كثيرة ستتغير و كلها تستحق إلى أقصى حد أن تقوم ب” الأسْـــمَـــسة” الآن فورا.

إتصل الآن.. Call Now..

فقط دعنا نقول لك عبارة أخيرة أرغمتنا عليها وزارة الصحة النفسية، مثلما ترغم شركات التبغ على وضع عبارة ” التدخين ضار بالصحة”. لكن لا تلتفت إليها كثيرا رجاء.

نقول لك :

الإس إم إس أفضل وسيلة كي نصبح نحن أكثر ثراء، ولكي نضيف متسولا آخر إلى هذا العالم.

الخميس، 4 مارس 2010

إذا عطاك العاطي.... !!

- إلا عطاك العاطي.. ما تحرث ماتواطي. ( إذا أعطاك الرزاق.. لا داعي للحرث و لا للتوطئة)
هذا ما قاله بعض أجدادنا عندما كانوا يجدون أن الجلوس تحت ظل شجرة الزيتون أفضل بكثير وأكثر راحة من الحرث وتوطئة الأرض، وهو عمل شاق جدا كما تعلمون.

كذبة أخرى كانوا يدغدغون بها أنفسهم حتى حين. طبيعة النفس البشرية الميالة للدعة والراحة تبحث لهم عن المبررات والأعذار كي يستبدلوا العمل بعود السبسي والثرثرة.

إنه التواكل في أبشع صوره، والمصيبة أننا نبرره بحكمة تتوارثها الأجيال مع تغييرات بسيطة في المتن. هكذا، عندما تزامن سن الشباب والجنون لدينا مع ثورة الإنترنت والهواتف المحمولة كان لابد أن ننقل الحكمة إلى مستويات أعلى كي تناسب التقدم التكنولوجي، هكذا تفتقت عبقريتنا عن حكمة جديدة وهي:

- إلا عطاك العاطي.. ما تبيبي ماتشاطي. ( إذا أعطاك الرزاق.. فلا داعي لأن ترن ولا تدردش)

متى كنا نردد هذه الحكمة؟ عندما نشاهد فتاة ما تتأبط ذراع أحد الأصدقاء في البوليبار بينما نحن لا نكف عن الرنات الهاتفية والدردشة دون أن يكون لنا نصيب من مشهد كهذا نفتخر به السنة كلها.

والمصيبة أنها في أغلب الحالات كانت تكون جميلة، وهذا ما كان يزيد من غيظنا وحنقنا، فنطلق زفراتنا الحارة الكارهة مرفوقة بالحكمة المتوراثة: إلا عطاك العاطي.. ماتبيبي ماتشاطي.

طبعا، الموقف كله تافه ومضحك، لكن المهم هو أن الحكمة التواكلية لازالت تدور بيننا وتحاصرنا ذات اليمن وذات الشمال، ونحن في فجوة زمنية لا تساعدنا على الفهم.

المقصود من كل هذا هو أننا استخرجنا للتواكل شهادة ميلاد، وأصبح لدينا سلاح جاهز نشهره في وجه كل من يعترض على كسلنا أو تواكلنا.. ألم تسمع بالحكمة التي تقول كذا وكذا؟

ونحن نعلم أن كل "الحكم" التي قيلت في السابق تتخذ طابع القداسة لدى الكثيرين، بل إن بعضهم قد لايفرق بينها وبين الأحاديث النبوية الشريفة في بعض الأحيان.

لهذا، عندما تقولها وأنت تشير في إصبعك بثقة، فأنت تعرف مسبقا أنك ستفحم من يقف أمامك. المهم أن تكون للحكمة قافية محترمة، ومادامت الصدر ينتهي ب "طي"، والعجز ينتهي أيضا ب"طي"، فأنت بالتأكيد في نظر الآخرين تقول كلاما مهما جدا.

نعود الآن لننسف الحكمة ونقول أنك لو لم تشمر عن ساعديك وتشغل كل طاقات عقلك وجسدك، فلن تنال سوى ما ناله كل الكسالى عبر التاريخ: لا شـــــــــــــيء... والــــــــــــــو.

لست هنا بصدد الدخول في جدلية السعي والرزق، لكن كل ذي عقل سليم يدرك أنك ينبغي أن تحرث وتواطي، ثم تحرث وتواطي، ثم تحرث وتواطي... حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.

بدون عمل جاد شاق لن تحقق شيئا، والذين رزقهم الله رزقا واسعا دون أن يشتغلوا حالات شاذة ونادرة، لا يقاس عليها، بل هي استئناءات تؤكد القاعدة، والقاعدة هي :

اللي ما طيب عشاتو.. وغسل حويجاتو... موتو حسن من حياتو. (ماشي عيسى حياتو طبعا).

وهذه أيضا – لحسن حظنا – حكمة قديمة، لكنها هذه المرة حكمة صادقة، ونابعة من قلوب أناس من طينة أخرى، وهذه هي التي ينبغي أن نرددها و نضع لها توأما مشابها في هذا الزمن. وبيني وبينكم فكرت كثيرا في حكمة ذات وزن وإيقاع جميلين ومحتوى إيجابي مناسب للعصر ففشلت في أن أخترع واحدة ذات رنين وحمولة.

يبدو أن أجدادنا حتى في سلبيتهم كانوا أبرع منا. يجب أن نقر لهم بأن قريحتهم كانت أكثر سلامة وإبداعا، وأفضل ما خطر على ذهني هي الحكمة التالية:

- خصك تتعلم ن الكمبيوتر والآي فون.. عاد تتوكل على مول الكون. ( يجب أن تتعلم الكمبيوتر والآي فون، ثم تتوكل على خالق الكون).
ما رأيكم بها؟ ليست على ما يرام؟
أرجو أن تقبلوها مني حتى حيـــــــــــــن.

الأحد، 28 فبراير 2010

أقـــــــدار - قصة قصيرة

مدينة طنجة، الساعة الثانية زوالا – يوليو 2005:

لم يكن هناك سوى التعب و بعض ألم في الجانب الأيسر من ظهره. لم تفلح محاولات زوجته اليائسة في إنهائها بالتدليك منذ شهور. يدها حانية لكنها لم تغير شيئا. العرق يجعله يكره كل شيء في هذا العالم بما في ذلك تلك المحفظة الثقيلة التي بدأ مؤخرا يعلقها في كتفه الأيمن تجنبا لازدياد الألم. هذه هي المرة الألف بعد المليون التي يفكر فيها برمي كل ماحوته من رسائل في أقرب بالوعة، لكنه يستفيق من أحلام يقظته و هو يرمي مظروفا جديدا تحت باب حديدي آخر.
- عبد الحميد العيساوي، حي السعادة – زنقة 10 – طنجة.

قرأ العنوان و قلب المظروف في يديه في تعاسة و رفع رأسه كي يتأكد من الرقم مجددا ثم رماه في تلك الفتحة الصغيرة السفلى وواصل عمله. فقط كانت هناك فكرة صغيرة تدور في رأسه مرة أخرى: ماذا لو رمى كل هذه الأثقال في أقرب بالوعة؟
******
مدينة طنجة، الساعة الثالثة والنصف عصرا من نفس اليوم :

هناك أطفال وأطفال..هناك أطفال أشقياء .. وهناك أطفال مزعجون .. وهناك أطفال كسالى.. و هناك ( مراد)، الطفل الذو السنوات الثمانية..و هو الجهبذ الوحيد الذي استطاع أن يجمع كل هذه المواهب بل أكثر. نصف أهل الحي كان يتمنى أن يضعه في منطاد و يجلس ليستمتع بمشهده و هو يحلق عاليا إلى غير رجعة. والنصف الآخر – الأكثر رحمة – كان يتمنى أنه لم يوجد، و كفى الله السكان شر بغضه. لكنهم – مجبرين - كانوا يمسحون على رأسه و يبتسمون لوالدته (الياقوت) دلالة على أن هذا الطفل رائع حقا. هذا الشبل من تلك اللبؤة. الياقوت قادرة بصراحة على أن تدمر بلدا بكامله إن استعملت ربع قاموسها من الشتائم، لذا آثر سكان الحي السلامة و اكتفوا بالدعاء على الاثنين: على الولد بالرحلة الفضائية و على الأم بالخرس النهائي.

كان طرف المظروف البارز من تحت الباب مغريا إلى أقصى حد. بطرف عينيه لمحه مراد. الإغراء كان قويا، و الفكرة لا تقاوم. للتسلية وجوه عديدة، أروعها على الإطلاق أخذ أشياء الكبار بكل غموضها وإغرائها.كان على باقي أفراد العصابة الصغيرة أن يشاركا في العملية: سعيد و معاذ. و كان عليهما أن يوافقا بعد استشارة صغيرة تضمنت لكمة في الأنف لسعيد و نظرة قاتلة لمعاذ. في الواقع، مراد طفل يعرف كيف يدير الأمور على درجة عالية من الحرفية.سعيد يراقب في رأس الدرب. معاذ يرافق مراد كحارس شخصي. و مراد – البطل – يأخذ المظروف ويطلق ساقيه للريح.

******

الأستاذ المحترم عبد الحميد العيساوي، يشرفنا أن نبلغكم بقبولكم في منصب أستاذ لغة العربية بمدرسة (...). و نظرا لتغيير هيكلي في المؤسسة تعذر علينا العثور على رقم هاتفكم. لذا يتعين على سيادتكم الحضور يوم الاثنين 1 غشت على الساعة الثامنة لإكمال باقي الإجراءات الإدارية المتعلقة بتوظيفكم.في حالة مرور خمسة عشر يوما على التاريخ المدون أعلاه، سيتم اعتبار غيابكم رفضا من طرفكم للمنصب وسنكون مضطرين لتعيين مرشح آخر في لائحة الانتظار.تفضلوا بقبول تقديرنا و احترامنا في انتظار حضوركم أو ردكم.

نيابة التعليم بمدينة طنجة

- هل فهم أحدكم شيئا؟نظر الثلاثة إلى بعضهم البعض في بلاهة، لكن مراد تدارك الموقف وواصل لعبته الأثيرة:

- إنها رسالة من محبوبته بالتأكيد. تقول لي أمي دائما أن ذلك الرجل شرير و يحب أن يلهو ببنات الناس. أنظروا هنا جيدا إلى هذه الكلمة: ا..ح..ت..ر..ا..م..ن..ا. ألا يوحي لكم ذلك بشيء؟ طبعا لا. أنتما مجرد غبيان. حري بكما أن تجلسا في المنزل لمشاهدة بوكيمون كالأطفال.

نظرا إليه في وجل مشوب باحترام لطفل يفكر بعقل الكبار. إنه مرعب لكنه مسل و هما لا يستطيعان أن يأكلا التفاح والإجاص من حديقة السي عبد السلام بدونه.أخرج من جيبه علبة كبريت و التمعت عيناه في شيطنة. هووووف..في ثوان أصبحت الورقة هشيما تذروه الرياح.

- ستهجره حبيبته لأنه لم يرد على رسالتها.. هاها.. لن يضحك على بنات الناس بعد الآن. لا أدري أبدا لماذا يقولون أننا أشقياء. ألا يكفي كل هذا الخير الذي نفعله؟ هؤلاء الكبار مجرد مجانين والله.

******

مدينة طنجة، الساعة الخامسة زوالا – سبتمبر 2005 :

- سأعطيك ثلاثين ألف درهم شريطة أن تضمن لي وصولي بسلام إلى طريفة.

- طبعا يا السي عبد الحميد، أنت أستاذنا، و حاشا لله أن أورطك أو أوقعك في ما لا يحمد عقباه. لو لم أكن أثق في هذا المهــــرّب لما أطلعتك على الأمر.

- لا أستاذ و لا غيره. ست سنوات و أنا لا أكف عن اجتياز المباريات وطرق أبواب الشركات دون جدوى. يبدو أن جسدي هو من ستكون له الكلمة الأخيرة في حقول إسبانيا، هذا إن كتب لذلك القارب الرديء أن يوصلنا إلى ضفة الأحلام الأخرى.

- لا أحد يعلم أين يوجد رزقه.

الثلاثاء، 23 فبراير 2010

القنــــــاص - قصة قصيرة

القناص رجل صعب المراس.

القناص رجل يطبق كتيب التعليمات بدقة.

القناص رجل ينهض باكرا.

نعم، هو يحب النوم لأنه يزيد في وسامته. لكنه يدرك أن المهمة التي تنتظره دائما لا ترحم أصحابها. يجب أن تكون جاهزا في مواسم الصيد و في ساعاته المناسبة. عدا هذا، سيعيّرك الآخرون بالتأكيد و يسخروا منك.

اليوم، كعادته، استيقظ في السابعة و النصف صباحا. في الثامنة بالضبط كان يجهز عدة الصيد. بعد نصف ساعة، قبل أن يغادر، نظر إلى المرآة و ابتسم ابتسامة رجل راض عن نفسه.

هاهو ذا مكانه الذي يعشقه ينتظره. علاقة ود غريبة ولدت بينه و بين هذا المكان. فيه يمارس هوايته التي تحولت إلى حرفة. قلما يخطئ فرائسه من هنا. قلما تخطئ شباكه التي ينصبها ببراعة.

طلب قهوته الصباحية و احتساها بكل تلذذ. للقهوة أثرها الفعال جدا في مهمته التي لا يمكن أن تمارسها إلا بنشاط و حيوية.

هاهي ذي ضحيته قادمة في الموعد بالضبط. لقد راقبها لثلاثة أيام.

** ** **

النصيحة الأولى في كتيب التعليمات : أهم ما ينبغي أن يميز الضحية، أي ضحية: الضــــعف.

...

القناص، بخبرته، عرف أنها ضعيفة، مهزوزة. باختصار، هي تحتاج إليه. قبل أن تمر أمامه بحوالي عشرين مترا تقريبا بدأ الحديث في هاتفه المحمول. سب كثيرا من عماله و تحدث عن ملايينه التي يجب أن يسحبوها لمنحها للزبون الفلاني. قال أشياء كثيرة في ثواني معدودة. الضربة يجب أن تكون سريعة وفعالة و فتاكة أيضا.

من نظرتها عرف أن أول طعم قد أتى أكله. من تلك الالتفاتة السريعة عرف أنه نجح.

في الواقع، القناص رجل يجيد عمله.

** ** **

النصيحة الثانية: لا تطل فترة نصب الشباك. هاجم ضحيتك عند أقرب فرصة.

...

و الفرصة أتت متخفية كالعادة. كل الفرص تجيء على هذا الشكل. فوق رأسها عباءة بكل ألوان الدنيا حتى يستحيل عليك إدراك أنها كذلك. لكن القناص رجل يدرك جيدا ما يفعل.

كان المطر يهطل بشدة و كانت هي تسير بمحاذاة الجدران محتمية بالبراويز.

هنا، يجب أن نعترف أن القناص رجل فقير كصخرة، بل هو معدم. و لا بأس من إجلاء الضباب عن هذه الحقيقة أيضا: إن القناص يمارس حرفته من أجل هذا.

استطاع أن يجيد دوره كالعادة و حماها بمظليته و ابتدأ لعبته الأثيرة.

في المساء كان يجالسها في المقهى و يحكي لها عن كل الأشياء التي يمكن أن تجعله ضحية لا قناصا: الملايين التي لا تغنيه عن حنان يفتقده، زوجته التي لم تفهمه جيدا، أيضا عن الحادثة التي جعلته يبدو كأنه أعرج قليلا.

الضحية – التي لا تعلم أنها ضحية – امرأة طبعا. و النساء يحببن التعاطف بشدة خصوصا مع أصحاب الملايين.

في اليوم الأول دمعت عيناها لما يرويه.

في اليوم الثاني ربتت على رأسه بحنان.

** ** **

النصيحة الثالثة: إياك والتردد عند الوصول إلى اللحظة الحاسمة، أطلق رصاصتك بكل ثقة.

...

في اليوم الثالث قال لها أن كيد النساء – التي هي ليست من بينهن طبعا- عظيم. قال لها أن زوجته حجزت على أمواله بطريقة ما، و أنه يريد أن يدفع للمحامي لاستعادة كل أمواله و بالتالي إكمال حياته مع أروع مخلوقة في الوجود... معها.

أطرق برأسه و اصطنع دمعة تدرب عليها كثيرا. بكل بساطة، و كأي مسلسل عربي رديء، وعدته أنها ستحضر له المبلغ غدا. فكر أن الواقع يكون أكثر فظاعة من رداءة المسلسلات أحيانا.

** ** **

النصيحة الرابعة: إياك أن تسمح للفرحة بالظهور على ملامحك. بعض الضحايا يكن ذكيات أكثر من اللازم فيدركن الخدعة.

...

القناص – و هذا ما لم نقله – رجل يحب أن يعبر عن فرحته دائما. هكذا، ترك ضحيته لدقائق و ذهب إلى دورة المياه، ثم إنه انفجر ضاحكا بصمت . قام بعدة حركات خرقاء و هو يواصل كتم ضحكته. بعد أن استنفذ كل مشاعره عاد إلى مقعده بجوارها.

فقط كان هناك فارق بسيط بين المشهد السابق و الذي يليه : لقد غادرت الضحية المكان.

أما الملاحظة الأخرى الأكثر إيلاما هي أنها أخذت هاتفه المحمول و محفظته التي كان وضعها فوق المائدة إمعانا في توريطها في الثقة به.

لعل القناص لم يقرأ جيدا النصيحة الأخيرة : لا تترك ضحيتك و لا ثانية. لا أحد يعلم متى يمكن أن تصبح الأدوار متبادلة.

...

بصراحة، القناص رجل لا يحفظ دروسه جيدا.

لكنه مع ذلك، كما لا زال يصر البعض، رجل صعب المراس.