السبت، 21 نوفمبر 2009

مغربي!! (قصة قصيرة)

النــــــهاية
التمعت الدموع في عينيك.. تجمدت بفعل البرد القارس ( أو ليست أربعون درجة تحت الصفر بردا قارسا؟ ) .. قشعريرة غريبة اجتاحت جسدك كله و هزت كيانك. لدقيقتين كاملتين بقيت مسمرا فوق ذاك الكرسي الخشبي تحاول أن تفعل شيئا منطقيا .. أن يكون رد فعلك مناسبا للحدث. يداك لا زالتا في جيبي سروالك و رأسك مطأطأ كأنك تمثال قد من الشمع.وجنتك اليمنى ترتعش .. و هي عادة تلازمك منذ طفولتك عندما تواجه موقفا شاذا. رفعت رأسك ببطأ و تأملت المكان : لا أحد .. لا صوت .. لا شيء على الإطلاق..مجرد بياض و سكون رهيبين.
انهارت مقاومتك الخفية و تركت نفسك " تنهار" . على ركبتيك جلست قرب تلك الكلمة. قرأتها من جديد .. للمرة الألف ربما . و للمرة الواحدة بعد الألف قرأتها بصوت مرتفع. صعقت من صدى صوتك . بدا لك و كأن كثيرين رددوا وراءك الكلمة. رفعت عينيك لتتأكد .. من جديد لا أحد. جلست القرفصاء ( هكذا كنت تجلس على الحصير في بلدك). ضحكة خاطفة و وجيزة .. ضحكة أخرى طويلة .. قهقهة أطول و أصخب. تراجعت برأسك إلى الوراء و أنت تنفجر ضاحكا بملء فمك. تقهقه و تقهقه ..تتمرغ – كمجنون – فوق الثلج و دموعك تغادر مقلتيك فقط لتتجمد فوق وجنتيك.. و البياض المطلق هو الشاهد الوحيد على ما يحدث.
* * *
الحــــــكاية
لماذا يغادر الواحد منا وطنه؟ لأنه لا يجد فيه كرامته بالطبع. و حيث وجدت الكرامة فثم الوطن.مشكلتك أنك لا زلت لم تعرف أين يمكن أن تجد كرامتك؟ الوجهات عديدة و التردد طبعك الأبدي. روسيا ؟ فنلندا ؟ النرويج ؟
كنت أمام ثلاث خيارات لا غير. و بسبب ترددك أعطيت الفرصة للكثيرين كي يظهروا لك كم هو حكماء. تعاطفهم و مشوراتهم المتذاكية كانت تشعرك بالغثيان.
" روسيا .. إخترت روسيا ". كم كنت سعيدا و أنت تستمع إلى تعليقاتهم و تتطلع إلى وجوههم الممتقعة و لسان حالهم يقول : " لقد كنا نعرف أنك أخرق، لكن ليس إلى هذه الدرجة". رغم أنك لا تملك سببا محددا لهذا الخيار إلى أنك فعلت ذلك عمدا لتشمت في آرائهم الذكية / الغبية.
أدركت – الآن – أن الحياة هنا قاسية جدا كقساوة المناخ. من عمل إلى عمل . من سكن إلى سكن. مجرد طير آخر يغدو خماصا و يعود بطانا. و أين أنا إذن ؟
لن يجديك البحث عن نفسك الآن. دع الأمر لوقت آخر. ربما فقدتَك. ربما هو مجرد هروب منك إليك. أو هو مزيج بين هذا و ذاك.
و ها هي ذي هجرة جديدة تلوح لك في الأفق. هذه المرة لمسافة أقصر و بقرار فردي لا يحتمل أية أصوات أخرى. حتى لو قررت السفر إلى المحيط المتجمد فلن يتذاكَ عليك أحد.
أخيرا وصلت إليها بعد نصف يوم من السفر برا. قرية صغيرة هي. باردة جدا. إسمها غريب حتى أنك لا زلت تفشل في تذكره كلما حاولت ذلك.
جلست وحدك فوق ذاك الكرسي الخشبي .. فكرت أنك في هذه القرية ستحقق ما فشلت في تحقيقه في أي مكان آخر. ألا يكفي أنها مجهولة لدى أبناء بلدك على الأقل؟ ستعود لتحكي لهم عن وجوه و أماكن و وقائع لم يروها و لم يسمعوا بها يوما.
ستحكي لهم ، كذلك، كيف نجحت في تحويل الثلج – لا التراب – إلى ذهب.
فكرت – و أنت تداعب الثلج بقدمك – أنك أول مغربي يصل إلى هذا المكان.من المستحيل أن يكون أحدهم قد جاء إلى هنا حيث لا نشاطات تجارية أو صناعية أو أي فرص عمل قد تغري البعض بالمجازفة و الحضور إلى هنا. لكنك تعشق دائما كل ما هو جديد و مختلف. كنت تحب دائما أن تكون متميزا و ألا تكون من " الآخرين".
الميم .. كان هذا هو أول حرف عربي رأيته محفورا فوق ذاك الرصيف الإسمنتي بعد أن أزحت الثلج و أنت تلهو بقدمك دون كبير مبالاة. بسرعة دفعت الثلج يمنة و يسرة لتتضح لك الكلمة كاملة و لتجحظ عيناك جحوظا مريعا . كانت الكلمة مكتوبة بخط أنيق و قد استغل من كتبها لحظة كان الإسمنت لا زال طريا ليخلّد ما كتب. كانت آخر كلمة يمكن لك أن تتوقعها و أنت تفكر فيما كنت تفكر فيه :
" مغربي ".
* * *
البـــــداية
هكذا قلت لأصدقائك بكل ثقة و كأنك خبير بواطن الأمور و بما يمكن أن يحدث :
" سأذهب إلى مدينة لم تطأها قدم مغربي من قبل و سترون أنني سأفاجئ الجميع بما سأحققه".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق